السيد محمد باقر الصدر

50

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

هذا الجانب من عملية التغيير ، جانب المحتوى والمضمون ، جانب التشريعات والأحكام والمناهج التي تدعو إليها هذه العملية ، هذا الجانب جانب ربّاني إلهي ، لكن هناك جانب آخر لعمليّة التغيير التي مارسها النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه الأطهار : هذه العملية حينما تلحظ بوصفها عملية متجسّدة في جماعة من الناس وهم النبي والصحابة ، بوصفها عملية اجتماعية متجسّدة في هذه الصفوة ، وبوصفها عملية قد واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها واشتبكت معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي والاجتماعي والسياسي والعسكري ، حينما تؤخذ هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيداً بشرياً واقعاً على الساحة التاريخية مترابطاً مع الجماعات والتيارات الأخرى التي تكتنف هذا التجسيد والتي تؤيّد أو تقاوم هذا التجسيد ، حينما تؤخذ العملية من هذه الزاوية تكون عملية بشرية ، يكون هؤلاء اناساً كسائر الناس تتحكّم فيهم إلى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكّم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مرّ الزمن . إذن ، عملية التغيير التي مارسها القرآن ومارسها النبي صلى الله عليه وآله لها جانبان ، من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي ومصادر الوحي هي ربانية ، هي فوق التاريخ ، ولكن من حيث كونها عملًا قائماً على الساحة التاريخية ، من حيث كونها جهداً بشرياً يقاوم جهوداً بشرية أخرى ، من هذه الناحية يعتبر هذا عملًا تاريخياً تحكمه سنن التاريخ وتتحكّم فيه الضوابط التي وضعها اللَّه سبحانه وتعالى لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسمّاة بالساحة التاريخية ؛ ولهذا نرى أنّ القرآن الكريم حينما يتحدّث عن الزاوية الثانية ، عن الجانب الثاني من عملية التغيير يتحدّث عن أناس ، يتحدّث عن بشر ، لا يتحدّث عن رسالة السماء ، بل يتحدّث عنهم بوصفهم بشراً من البشر تتحكّم فيهم القوانين التي تتحكّم في الآخرين . حينما أراد أن يتحدّث عن انكسار المسلمين في غزوة أحد بعد أن أحرزوا